ابن يعقوب المغربي
219
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
يقطعه ويجتثه عن أصله ، بحيث يكون كالعدم ، فيفهم أن العاقل لا يغتر بما كان مثل ذلك ، ( و ) التشبيه ( البليغ ) والمراد به هنا الذي يتخاطب به أذكياء البلغاء ويستحسنونه فيما بينهم ، وليس المراد بالبليغ ما كان مطابقا لمقتضى الحال ، فإن المبتذل قد يطابق مقتضى الحال لسوء فهم السامع ( ما كان من هذا الضرب ) الذي هو البعيد الغريب وتتفاوت مراتبه في ذلك البعد لا ما كان من الضرب الذي هو القريب المبتذل ؛ وإنما كان ما هو من هذا الضرب الغريب بليغا ( لغرابته ) فلا يطلع عليه إلا الأذكياء ، فلا يتخاطب به غيرهم إلا أخذا عنهم تقليدا ، والأمر المختص بالخواص يعد بليغا حسنا لعدم مشاركة العامة فيه ، وكان أيضا ما هو من هذا الضرب بليغا لكمال لذاذته ؛ لأنه لا ينال إلا بعد التأمل والطلب ، بخلاف المبتذل فهو يتمكن كل أحد منه بلا طلب وتأمل فلا يحصل الشوق إليه ، وما لا يطلب بالشوق لا كمال لذة فيه ، ( و ) إنما قلنا كذلك ( ل ) ما علم ( أن نيل الشيء بعد الطلب ألذ ) من نيله بلا طلب ، ووقوعه في النفس ألطف من وقوع غير المطلوب ، ولذلك يمثل بالماء البارد على الظمأ الذي هو ألذ المحسوسات بجامع الاتصال بعد الشوق ؛ وذلك لأن حصول ما تقوى الشوق إليه فيه لذة حصوله لحسنه لذاته ولذة دفع ألم الشوق إليه ، بخلاف ما يحصل بلا طلب وإن كان شريفا في نفسه ليس فيه إلا لذته ، وقولهم يستحسن كذا لكونه كحصول نعمة غير مرتقبة لا يتقضى كونه أحسن من الحاصل بعد الشوق ، نعم ، إن كان حصوله بعد الإياس والطلب فهو أعظم لاشتماله على دفع ألم الإياس والطلب ، وهو أعظم من الشوق ، فإن أريد هذا كان أشد في مقامه من المطلوب ، والتعليلان متلازمان عرفا ؛ لأن الغريب لا ينال عرفا إلا بعد الطلب ، والمنول بعد الطلب لا يكون عرفا إلا غريبا ولو كان مفهومهما مختلفا ، ومتى حضر أحدهما دون الآخر صح تعليل البلاغة المرادة هنا به ، فإن قيل قد قررتم بهذا أن التشبيه كلما كان فيه مزيد حاجة إلى التأمل عند قصد إيجاده من المتكلم ، وإلى التأمل من السامع في إدراك وجود الوجه فيه حيث ذكر ، أو في فهمه إن لم يذكر ، ازداد حسنه وترقى في مراتب القبول ، وقد تقرر أن صعوبة الفهم من التعقيد اللفظي والمعنوي وكلاهما مخل بالفصاحة ، فكيف تعد صعوبة الفهم من باب